الخميس، سبتمبر 17، 2009

المبيدات تسبب السرطان، وتقتل بزيادة الجرعة

صحيفة الوطن السعودية
الخميس 8 ربيع الأول 1430هـ الموافق 5 مارس 2009م العدد (3079) السنة التاسعة

أسعد سراج أبو رزيزة*
مخيف، أن تأوي إلى فراشك آمنا مطمئنا، بعد أن تغلق أبوابك والنوافذ خوفا من اللصوص المتسللين، أو العابرين المتطفلين، ويلج دارك قاتل سفاح، لا تعرف هويته، ولا تحس بوجوده، يتسلل عبر الشقوق ومن تحت الأبواب، أو من خلال نظم التكييف.
في الأسبوع الماضي تكررت في مدينة جدة مأساة التعرض للمبيدات الحشرية، وحصدت في هذه المرة روحين من الأطفال الدنمركيين، وذلك بعد وفاة مسرة وميسرة المأساوية، قبل أقل من عام، إثر تعرضهما لمبيدات حشرية تسربت أبخرتها من الدار المجاورة. وجاءت حينها الخطوة الضرورية الأولى من صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، أمير منطقة مكة المكرمة يحفظه الله، الذي أمر بمنع دخول هذه المواد إلى أسواق مدينة جدة، وحظر بيعها وتداولها.
لكن الأجهزة المعنية لم تعزز الحظر بالبحث عن الأسباب الحقيقية وراء الحوادث، واقتلاعها من جذورها البعيدة، واكتفت بمعالجة أعراض التسمم، لتذهب القضية طي النسيان. وها هي اليوم تعود لتذكرنا أن جذورها حية، وستنمو مجدداً بمجرد أن تتهيأ لها الظروف.
إن أصول المشكلة تعود إلى الحالة البيئية والصحية المتردية لمدينة جدة، وتقبع في المستنقعات وأماكن تجمع النفايات – في الحاويات وما حولها، وفي مياه الصرف التي تفيض، وتنمو فيها وتتكاثر جذور المشكلة من الحشرات والقوارض التي تنتشر بشكل مرعب في بعض الأحياء، وتدفع الناس لمحاربتها بأشد الأسلحة فتكاً، جاهلين آثار المبيدات على صحة أبنائهم وعلى أنفسهم.
ولجهل الكثيرين، منا ومن المسؤولين عن نظافة المدينة وحمايتها من التلوث، بأن تكرار استخدام نفس المبيد يدفع الحشرات لتطوير أساليب دفاعية جديدة تكسبها المناعة ضد هذا النوع من المبيدات. وهذا يدفع بنا إلى تكثيف الجرعات وزيادة الكميات، حتى يفقد المبيد أثره على الكائنات المستهدفة.
بعدها ننتقل إلى استخدام أنواع جديدة أقوى، توظف كيماويات وآليات مختلفة للفتك بالحشرات. ونعيد الكرة مع مبيد ثالث ورابع وخامس، حتى وصل بنا الحال إلى استخدام مبيد له القدرة على تخطي الجدران وعبور الحواجز من أضيق الشقوق والفتحات والدخول إلى غرف النوم، وأكثر من ذلك، له القدرة على قتل الإنسان.
يكفي أن تجاور جاهلا بأخطار المبيدات لتعرض نفسك وأهلك وأبناءك للهلاك بمبيدات زاد انتشارها بشكل يثير القلق. فاليوم وبعد كل هذه الحوادث المأساوية يمكن أن تجد أشد المبيدات فتكا وخطورة في البقالات الصغيرة المنتشرة داخل الأحياء السكنية، خاصة في الأماكن والأحياء الفقيرة.
كم من مرة سمعنا عن شخص كان بتمام صحته قبل أن يأوي إلى الفراش ثم لم يستيقظ أبدا! من يدري! قد تكون للمبيدات يد خفية في بعض هذه الأحداث.
إن وفاة الأطفال بهذه الصورة المأساوية أثر مباشر لتلقيهم جرعات كافية من سموم المبيدات، ولكن ما لا نعرف عنه شيئا، أولئك الذين تعرضوا لجرعات أصغر، لا تكفي لقتلهم.
فمن المعروف أن التعرض لتركيزات متدنية لبعض الكيماويات والمركبات الخطرة له آثار وخيمة على المدى البعيد، وإن كانت الجرعات لا تكفي لظهور الأعراض مباشرة، كما هو حال الذين وصلوا إلى غرف العناية المركزة إثر تعرضهم لجرعات عالية.
والمؤكد علمياً وإكلينيكيا ارتباط بعض الإصابات الخطيرة كالسرطان، والطفرة الوراثية، والإجهاض، وتشوه الأجنة، ارتباطا وثيقاً، بالمواد الكيماوية المستخدمة في صناعة المبيدات، حتى ولو كان التعرض لها بجرعات خفيفة.
وارتفاع معدل الإصابة بالسرطان مؤشر قوي للتلوث بالمواد الكيماوية. ولأن هذا المرض الخبيث لا يظهر إلا لاحقا، وبعد أعوام عدة، فإنه لا يمكن التعرف على مسبباته، وفي العادة لا نجهد أنفسنا في الكشف عن المسببات، فاهتمامنا أولا وأخيرا بمعالجة الأعراض وتناول المسكنات.
كان لزاماً على أمانة مدينة جدة والرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة، والشؤون الصحية بالمنطقة دراسة الظاهرة، وكشف الأسباب ووضع الخطط والاستراتيجيات للتصدي لها، واقتلاع جذورها والقضاء عليها تماماً، بدلا من الاكتفاء بحبات الباندول التي أعادت لنا الطمأنينة الزائفة.
أين الحملات التوعوية بأخطار المبيد التي ينادي بها الجميع؟ أين برامج الإصحاح البيئي التي تتغنى بها هذه المؤسسات؟ أليست المبيدات الحشرية من المواد الخطرة التي تعنى بتنظيمها الرئاسة؟ ماذا فعلنا بعد الحادثة الأولى والثانية وما بعدها؟
لماذا كل هذا الاهتمام، المبالغ فيه، بالغابة الشرقية والمشاريع الترفيهية، التي تعلن عنها الأمانة يوما بعد يوم؟ بينما أولوياتنا التي تمس حياة المواطن وصحته، لا تزال ساكنة في قائمة المنسيات. لماذا لا نزال نرى المستنقعات؟ ولماذا تتراكم المخلفات حول الحاويات، وعلى جوانب الطرقات؟ ماذا فعلنا لمردم النفايات القديم وبحيرة الصرف الصحي بعد كل هذه الأعوام من اجتماعات اللجان؟
لم تبخل، يوما، حكومة خادم الحرمين الشريفين يحفظه الله في دعم المشاريع والبرامج المعنية بصحة الفرد وحماية البيئة. ولا يمكن إلقاء اللوم على قلة الموارد، فهاهي الميزانيات الضخمة والمليارات، رصدت، أولا، لمكافحة التلوث، وحماية الناس والبيئة - لا لبناء الغابة الشرقية وملاعب الغولف.
لا شك أنه أمر مهم أن يكون لدينا غابة شرقية وملاعب للغولف ومناطق أخرى ترفيهية ونحن بحاجة إليها، لكن، إن كان لدينا إستراتيجية وهدفنا "مدينة صحية"، فأول أولوياتنا رفع التلوث وإزالة الأسباب.
("مدينة صحية" - شعار تبنته الغرف التجارية بجدة، وما يزال كذلك... شعاراً)

*أكاديمي وباحث بيئي, المصدر:

http://www.alwatan.com.sa/NEWS/writerdetail.asp?issueno=3079&id=9786&Rname=226

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق