‏إظهار الرسائل ذات التسميات المبيدات في مصر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المبيدات في مصر. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، سبتمبر 18، 2009

المخاطر الصحية للمبيدات : تحذير واجب


د. محمد أشرف البيومي *
أستاذ الكيمياء الطبيعية بجامعة الإسكندرية وجامعة ولاية متشجان (سابقاً)

عرضت قناة التليفزيون البريطانية منذ بضعة أيام (19 مايو) تقريراً حول تفشي الأمراض السرطانية بولاية البنجاب الهندية بسبب المبيدات المستخدمة في الزراعة هناك، كما أبرز التقرير الأثر الكبير والواضح لهذه المبيدات علي ال DNA وهي الجزيئات التي تتحكم في العوامل الوراثية في خلايا جميع الكائنات. هذه الأبحاث التي قامت بها د. سابت كور بجامعة البنجاب بالهند أكدت أن جزيئات مبيدات مستخدمة في الزراعة تتداخل مع ال DNA مما يؤدي إلي أخطاء في وظيفتها ويجعل الخلية سرطانية. يؤكد هذا البحث أن هذه المبيدات وليست عوامل أخري مثل التدخين هي السبب المباشر في التشويه الملحوظ لل DNA.
ذكرني هذا التقرير بالحديث الذي أجرته صحيفة "المصري اليوم" في 10 أكتوبر الماضي مع د. مصطفي كمال طلبة رئيس لجنة المبيدات، والذي لم أتمكن لأسباب خارجة عن الإرادة من التعليق عليه في حينه. ولخطورة بعض ما ورد في هذا اللقاء من مقولات متناقضة تماما مع حقائق علمية ومن مفاهيم غير مقبولة أجد لزاماً عليّ تصحيحها خصوصاً وأن قضية المبيدات تحظى باهتمام كبير لعلاقتها القوية بصحة المواطنين مما يفسر استمرار طرحها من حين لآخر في وسائل الإعلام المحلية والدولية وفي مجلس الشعب. تمتد مسئوليتي للتصدي لهذا الموضوع لمعرفتي المباشرة للتأثيرات الضارة لبعض المركبات الكيمائية، ومنها المبيدات، من خلال تدريسي بيوفيزياء جزيئية وتحديداً تداخل هذه الجزيئات مع البروتينات وال DNA بجامعة ولاية متشجان الأمريكية، وكيف يؤدي هذا إلي تغيير وظائفها العادية في أغلب الحالات.
سأعتمد في هذا المقال علي العديد من الأبحاث والمراجع العلمية المنشورة ذات الطابع الأكاديمي ولقاءات مع أساتذة بجامعة الإسكندرية متخصصين في بحوث المبيدات علي مدي عقود طويلة ومساهمين سابقين في اللجان المشرفة علي استخدامات المبيدات في مصر، كما سأبين بعض التناقضات بين المقولات نفسها التي وردت في اللقاء. أرجو من الدكتور طلبة الذي أعرفه منذ أكثر من أربعين عاما أن يتناول ملاحظاتي حتى وإن جاء بعضها متسماً بالصراحة الكاملة وبموضوعية العلميين الملتزمين، بل أناشده أن يصحح ما جاء علي لسانه خصوصاً وأنه في موقع المسئولية كرئيس لجنة المبيدات، لعل ما نشر لم يكن معبراً بدقة عما يقصده فيعطي بذلك مثالا حيا علي ماهية المنهج العلمي وأدبياته.

المبيدات والغذاء

تتلوث الأغذية المتداولة بالمبيدات عن طريق رش المحاصيل الزراعية ومعاملة البذور والتقاوي وحفظ المنتجات الزراعية، وعن طريق مياه الري الملوثة. وتصل نسبة الأغذية المحتوية علي مستويات أعلي من المسموح به في الدول النامية إلي 25 % بالمقارنة إلي 1,5% في الدول المتقدمة "صناعياً"، بينما تصل النسبة الخالية من متبقيات المبيدات إلي 80 % في الدول الصناعية و3% فقط في الدول النامية. لهذا فأي استنتاج أو تعميم مستند إلي دراسات وتقارير حول تأثير المبيدات علي الصحة في الدول الصناعية ليس له أي معني أو مصداقية. ومتبقيات المبيدات الكلورية ( التي تذوب في الدهون) مثل ال ددت تظهر في الأنسجة وفي اللبن البشري، علماً بأن مستويات تواجدها انخفض مؤخرا في البلاد التي أوقفت استعمالها. وحسب دراسة السيد ونصار ونعمة الله المنشورة عام 2002 والمذكورة في كتاب هام للدكتور محمد السعيد الزميتي: "الحد من مخاطر تعرض الأطفال للمبيدات من الأغذية المتداولة بالأسواق" المنشور عام 2007 فإن متبقيات المبيدات الكلورية( ددت وسادس كلور الهكسان الحلقي وغندرين وديلدرين) ظهرت في لبن الصدر في عينات من محافظات مصرية مثل أسيوط وكفر الشيخ والبحيرة والإسكندرية والقليوبية والقاهرة ولكن بمستويات أقل من المسموح بتناوله يوميا حسب أرقام منظمة FAO.
وحيث أن موضوع المبيدات ذات جوانب متعددة لا يمكن أن أتطرق لها في هذا المجال فإنني سأكتفي بالرد علي تساؤلات محددة تهم غالبية المواطنين بشكل مباشر وسأتجنب استخدام مصطلحات وتفصيلات علمية لا تؤثر علي بلورة رأي مستنير.

هل مقولة أنه " ليس هناك أي ارتباط بين المبيدات والإصابة بالسرطان" صحيحة ؟

الحكم علي أن مبيد غير مسرطن وان دواء غير مضر للإنسان أو العكس يخضع لبروتوكولات قياسية متفق عليها دولياً وتشمل دراسات طويلة المدي لتقويم المخاطر منها اختبارات علي حيوانات المعامل ودراسات وبائية علي الإنسان. وبناء علي هذه الدراسات، صنفت المبيدات حتى عام 1996 في أربع مجموعات علي أساس قيمة الجرعة النصفية القاتلة LD50 أي الجرعة التي تقتل نصف الحيوانات المعملية :
مجموعة ا : فائقة الخطورة أي مسرطنة للإنسان لوجود أدلة كافية من الدراسات الوبائية
مجموعة ب: متوسطة الخطورة أي محتمل سرطانيتها للإنسان لوجود أدلة كافية من تجارب الحيوانات المعملية ولكن هناك أدلة محدودة من الدراسات الوبائية وتنقسم هذه المجموعة إلي ب1 و ب2 حسب نتائج ونوعية الدراسات الوبائية،
مجموعة ج: قليلة الخطورة ومحتمل سرطانيتها للإنسان لوجود أدلة محدودة علي سرطانيتها في الحيوانات وليس هناك معلومات علي الإنسان
مجموعة د: ليس هناك خطورة معروفة وغير مصنفة كمسرطنة لأن الأدلة غير وافية أو لغياب بيانات، وهناك أدلة علي أنها غير مسرطنة علي الأقل في دراستين مقبولتين علي صنفين من الحيوانات أو دراسات وبائية مقبولة و علي الحيوانات أيضاً.
عدلت هذه التقسيمات بعض الشيء عام 2005 حسب درجة سرطنتها للإنسان: مسرطنة، محتمل سرطنتها، إشارات بأنها مسرطنة، معلومات غير كافية أو متضاربة.
فإذا كانت هناك مثل هذه التصنيفات التي يمكن للمواطن الرجوع إليها من خلال الشبكة الإلكترونية (تقرير منظمة حماية البيئة الأمريكية بعنوان: "المبيدات- الصحة والأمان،24يوليه 2007) فكيف إذاً يقال أنه " ليس هناك أي ارتباط بين المبيدات والإصابة بالسرطان"؟ كما جاء علي لسان الدكتور طلبة. هناك خضم من الأبحاث والدلائل العلمية علي أن هناك مركبات معينة تسبب السرطان ، بل أن هناك بحوث حول كيفية حدوث ذلك. بعض هذه المركبات يستخدم كمبيدات والبعض الآخر يضاف للأغذية كالنترات التي تضاف لللحوم المحفوظة لأنها تتفاعل مع مركبات أخري في الغذاء فتتحول إلي النيتروسامينات المسببة للسرطان، و كبعض الأصباغ التي تضاف للأغذية لإعطائها ألواناًً زاهية مثل الصبغة الحمراء رقم 2 والتي منع استخدامها في الولايات المتحدة عام 1976.
* نشر بجريدة البديل 18 يونية 2008